Foto: Samah Alshaghdari
أبريل 5, 2026

الدين لله والوطن للجميع

في الساعة الخامسة فجرًا، صباح اليوم الأحد، وقف العشرات خارج الكنيسة في صمت شبه كامل. كانت النار المشتعلة في الوسط هي مصدر الضوء لوحيد، تتراقص ألسنتها على وجوه الحاضرين الذين التفوا حولها في دائرة هادئة.

لم يكن هناك حديث، فقط انتظار مشترك لبدء الطقس. وصل الراهب بعد دقائق، برفقة مجموعة من الفتيان والفتيات، وبدأت تلاوة نصوص من الكتاب المقدس في الهواء البارد، قبل أن يتحرك الجميع ببطء إلى الداخل. هناك، تحت ضوء الشموع، بدأت مراسم الصلاة والقداس لساعات، إلى أن أُضيئت الأنوار تدريجياً مع بزوغ الفجر، في انتقال رمزي من الظلام إلى النور.

قداس عيد الفصح

القداس

تحتفل ألمانيا، ومعها ملايين المسيحيين حول العالم، بعيد الفصح، وهو مناسبة دينية تسبقها فترة صيام تمتد أربعين يومًا وفق المعتقد المسيحي. عشت في ألمانيا سنوات، لكن معرفتي بهذه المناسبة بقيت محدودة، تقتصر على كونها عطلة طويلة وبعض المظاهر، مثل تزيين البيض ورمز الأرنب. هذا العام قررت أن أقترب من التجربة، بدافع مهني وإنساني، رغم أنني أنتمي إلى موقف لاديني أتعامل فيه مع الأديان بوصفها منظومات فكرية، مع احترام كامل لمعتنقيها.

بدأت الفكرة من حديث عابر مع جارتي في منتصف الأسبوع، حين سألتها كيف ستقضي الإجازة، فأجابت أنها ستذهب إلى الكنيسة. الأمر عادي في سياق المجتمع الألماني، حيث يذهب المتدينون وغير المتدينين إلى الكنائس. لكن اللافت كان حين سألتها إن كانت تقصد الكنيسة القريبة، فقالت: “لا، تلك بروتستانتية، وأنا كاثوليكية”. استوقفتني الإجابة. أوضحت أن الإيمان بالمسيح مشترك، لكن الاختلاف يتعلق بتفسير النصوص وسلطة الكنيسة وبعض التفاصيل العقائدية.

بدافع الفضول، قررت أن أشارك لأرى ما يحدث عن قرب.

Foto:Samah al-Shagdhari

قبل هذا المشهد الفجري، حضرت طقوس يوم الجمعة، حيث أُقيمت صلاة وقداس بدآ الساعة الثالثة عصرًا، وتخللتهما رواية قصة المسيح، وأدعية، ومقطوعات موسيقية خافتة، واستمرت قرابة ساعتين. يُعرف هذا اليوم بيوم حداد، تُخفّض فيه الإضاءة وتغيب مظاهر الاحتفال.

داخل الكنيسة، لم أكن منشغلة بالنصوص بقدر ما كنت أراقب التفاصيل: وجوه منحنية، أعين مغلقة، وحركات متناسقة في الوقوف والركوع. لفت انتباهي رجل كان يقرأ من كتاب، وخلفه شمعة كادت أن تحرق سترته. حاولت تنبيهه دون جدوى، إلى أن تدخلت امرأة وأبعدت الخطر عنه، ثم عاد إلى صلاته بهدوء.

Foto:Samah al-Shagdhari

طوال الساعات الثلاثة والنصف، كنت أتحرك بحذر لالتقاط بعض الصور، متوجسة من أن أكون مصدر إزعاج. لكن أحدًا لم يعترض أو يوجّه إليّ ملاحظة. بدا كل شخص منشغلًا بذاته، يسعى إلى لحظة صفاء خاصة، دون أن يفرضها على الآخرين.

عندما انتهى الراهب من الدعاء، بدأت الأصوات تتعاقب بشكل لافت؛ امرأة تدعو من الخلف، ثم رجل من الأمام، ثم صوت آخر، في إيقاع غير منظم لكنه متناغم.

Foto:Samah al-Shagdhari

في نهاية الطقوس، وُزّع “القربان” على الحضور. وقفت في أحد الصفوف، وعندما وصلت إلى الراهب، أعطاني الخبز. شكرته وهممت بالمغادرة، لكنه نظر إليّ بنظرة حازمة دون أن يتكلم. أدركت أنني خالفت قاعدة غير معلنة، فسارعت إلى تناول الخبز في مكاني، فهزّ رأسه علامة رضا. في تلك اللحظة، فهمت أن المشاركة، حتى إن كانت اختيارية، تحمل قواعدها الخاصة.

ما شدّ انتباهي لم يكن الطقس بحد ذاته، بل شكل التعايش بين الكاثوليك والبروتستانت، وهما تياران شهدا صراعات دينية دامية في أوروبا، لكنها أصبحت جزءًا من الماضي.

تعزّز هذا الانطباع في حديث مع صديق ألماني كاثوليكي. عندما سألته عن كيفية احتفال البروتستانت، أجاب: “لا أعرف”. لم يكن ذلك جهلًا، بل انعكاسًا لواقع لا يُعدّ فيه الاختلاف الديني محورًا للعلاقات اليومية.

هذا الواقع هو نتيجة مسار تاريخي طويل أعاد فيه الأوروبيون تعريف العلاقة بين الدين والدولة، بعد صراعات دينية قاسية.

Foto:Samah al-Shagdhari

في المقابل، وعند النظر إلى سياقات في العالم العربي، تبدو العلاقة بين الدين والمجال العام أكثر تعقيدًا. في عدد من الدول، تداخلت التفسيرات الدينية مع السياسة، وأصبحت الهوية الدينية عامل توتر بدل أن تكون عنصرًا ثقافيًا.

جوهر الإشكالية لا يكمن في الأديان بحد ذاتها، بل في كيفية توظيفها ضمن السياقات السياسية والاجتماعية. التجربة الأوروبية لا تعني غياب الاختلاف، بل تعني إدارته. يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن الانتقال من منطق الطوائف إلى منطق المواطنة؟

“الدين لله والوطن للجميع” ليس شعارًا نظريًا، بل ممارسة يومية؛ حين يُترك الإيمان مساحة شخصية، وتُدار الدولة بمنطق الحقوق، يصبح التعايش ممكنًا وضروريًا

Amal, Frankfurt!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.