أبريل 11, 2026

رودولف يتعلّم العربية بلهجتها الفلسطينية… رحلة متضامن ألماني إلى قلب الحكاية الفلسطينية

في أطراف جنوب الخليل، حيث تمتد تلال مسافر يطا وتتشابك حكايات الأرض مع صمود أهلها، يظهر اسم رودولف كواحد من أولئك القادمين من بعيد، الذين اختاروا أن يكونوا شهوداً على الألم، وشركاء في الحكاية.
اعتاد رودولف، منذ عام 2023، أن يحزم حقائبه كل عام متجهاً إلى تلك القرى المهددة، لا سائحاً ولا عابراً، بل حاضراً بجسده، يحاول مع متضامنين دوليين آخرين أن يخففوا وطأة الاعتداءات التي يتعرض لها المزارعون والرعاة في مناطق الضفة الغربية. فبين يطا، وسوسيا، والتواني وطوبا، عاش تفاصيل الحياة اليومية، متنقلاً مع المواسم، خاصة في الربيع حين ترعى القطعان، وفي الخريف حين تبدأ حكاية الزيتون.
وفي بورين، جنوب نابلس، وخلال موسم قطف الزيتون، لم يكن مجرد مراقب. كان يُوثق، ويُسجل، ويكتب، مدركاً أن هذه الشهادات قد تجد طريقها إلى أروقة الأمم المتحدة، لعلها تُحدث صدى في عالمٍ كثيراً ما يصمّ أذنيه.

من التقارير إلى وجوه الناس وقصصهم

عمل رودولف السابق في وكالة التعاون التنموي الألمانية (GIZ) وضعه طويلاً في تماس مع قضايا غرب آسيا، وكانت فلسطين في قلب تلك التجربة. هناك، كما يقول، لم تكن القضية أرقاماً أو تقارير، بل وجوهاً وقصصاً. زار غزة مراراً، وحمل معه حكايات ظلت تثقل ضميره وتُشكل وعيه. يضيف ” أثّر فيّ بشدة مصير الفلسطينيين والمعاملة غير العادلة التي يتعرضون لها منذ عام 1947، خاصة لأنني أعرف الكثير من القصص الشخصية”.

 لماذا اختار رودولف تعلّم العربية؟

وهذا تحديداً ما دفعه إلى تعلم العربية بلهجتها الفلسطينية، إذ يوضح رودولف أن التواصل عبر الترجمة لم يعد كافياً بالنسبة له. فاللغة، في نظره، لم تعد مجرد أداة، بل غدت جسراً للاحترام والتقارب الإنساني. لذلك، ورغم محاولاته المتعثرة، عاد إلى تعلم العربية، مدفوعاً برغبة صادقة في فهم أعمق للعالم الذي اختار أن ينتمي إليه وجدانياً.
رحلته مع اللغة العربية جاءت متأخرة. يعترف بأنه لطالما وجد صعوبة في تعلم اللغات، رغم إتقانه الإنجليزية والفرنسية والإسبانية بحكم عمله. لكن العربية، كما يصفها، ليست مجرد لغة، بل عالم من الصور والاستعارات، عالم يزيد من تعاطفه مع أهله كلما اقترب منه.
ورغم تقاعده، لا تزال التزاماته كثيرة، ما يجعل تخصيص الوقت والطاقة لتعلم العربية تحدياً حقيقياً. لكنه لا يتراجع عن هدفه في تعلم العربية، ولا يتوانى في مواصلة محاولاته.

رودولف بين موائد الإفطار والمسجد الإبراهيمي

أما الصيام، بالنسبة لرودولف، ليس مجرد تجربة جسدية. الامتناع عن الطعام سهل، كما يقول، لكن العطش اختبارٌ قاسٍ. ومع ذلك، يرى في الصيام وسيلة تقربه من أصدقائه في فلسطين والأردن ولبنان وسوريا. شاركهم موائد الإفطار، وسار معهم إلى المساجد، من بينها المسجد الإبراهيمي في الخليل، حيث تختلط روحانية الإسلام بثقل التاريخ.

“نحن نتقاسم كوكباً واحداً” رؤية للعالم من موقع التضامن

لا يفصل رودولف تجربته الشخصية عن رؤيته للعالم. إذ يؤمن بأن البشرية تتقاسم كوكباً واحداً، وأن العدالة لا يجب أن تكون انتقائية. ويرى في القومية والاستعمار والإمبريالية عوائق أمام السلام، ويُحمّل أبناء الدول القوية مسؤولية أخلاقية في الوقوف إلى جانب المظلومين.
اهتمامه بالقضية الفلسطينية لم يُولد فجأة. فمنذ أيام المدرسة، كان يشعر بمرارة تجاه ما يعتبره ظلماً طال شعوباً كالصحروايين والأكراد والفلسطينيين. لاحقاً، عمّقت صديقة له عملت في فلسطين فهمه لما يسميه بـ “النكبة المستمرة”.

كيف ينظر محيطه إلى رحلاته إلى فلسطين

في محيطه الشخصي، لم يكن مساره مفهوماً دائماً. البعض استقبله بالدهشة، وآخرون بالقلق، خاصة مع تكرار رحلاته إلى مناطق متوترة كفلسطين. لكنه، كما يقول، وجد قبولاً صامتاً، حتى لصيامه الذي بات جزءاً من حياته. يقول رودولف “كل من يعرفني تقبّل ذلك إلى حدٍ ما وبشيء من الاستغراب، وبعضهم يشعر بالقلق والخوف عليّ بسبب رحلاتي، لكنهم رغم ذلك يتقبلون ما أفعله”، مضيفاً: “فلسطين وشعبها قريبان جداً إلى قلبي”.

علاقات ممتدة من غزة إلى القدس

يحتفظ رودولف اليوم، بشبكة علاقات عميقة تمتد من غزة إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية، ويتعاون مع منظمات فلسطينية غير حكومية. هذه العلاقات، كما يصفها، ليست سطحية، بل تشكّلت في لحظات الخطر، حين كانوا معاً في مواجهة العنف.
في نهاية الحديث، لا يتحدث رودولف عن إنجازات، بل عن دروس. يقول إنه تعلم التواضع والبساطة أمام معاناة أصدقائه، ويحاول أن ينقل هذا الشعور إلى محيطه وإلى عائلته، وأصدقائه، وجيرانه. وهكذا، تبدو قصة رودولف، رحلة رجلٍ لم تغيره الجغرافيا فقط، بل أعادت تشكيل نظرته للعالم، وجعلته يبحث، بين الكلمات والحدود، عن معنى أعمق للعدالة والإنسانية.

Amal, Frankfurt!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.