في مدينةٍ مثل هامبورغ، حيث تتقاطع اللغات والقصص والوجوه القادمة من أماكن بعيدة، لا تبدو الحكايات غريبة، بل ناقصة. ناقصة لأن كثيراً منها لا يُروى بأصوات أصحابه.
هذا ما لفت انتباه حسام الظاهر حين وصل إلى ألمانيا كلاجئ عام 2015، فحسام جاء حاملاً معه تجربة شخصية، وأخرى مهنية في مجال الصحافة. ولم يكن يبحث فقط عن بداية جديدة، بل عن معنى لصوته في فضاء إعلامي يتحدث عنه أكثر مما يستمع إليه.”خلال متابعتي لوسائل الإعلام الألمانية، كان السؤال الذي طرحته على نفسي: لماذا يتحدث الآخرون عن اللاجئين، وليس من قبلهم هم أنفسهم؟” هذا السؤال لم يكن عابراً. بل كان بداية فكرة مجلة Kohero.
من سؤال إلى مساحة
في تلك المرحلة، لم يكن الأمر يتجاوز نقاشات مع أشخاص تعرّف إليهم. لكن شيئاً فشيئاً، بدأت الفكرة تأخذ شكلاً أوضح: منصة يكتب فيها اللاجئون والمهاجرون قصصهم بأنفسهم، بلغتهم الجديدة، حتى لو لم تكن كاملة بعد. وانطلاقاً من ذلك بدأ حسام بالكتابة “كنت أكتب بالألمانية، لكن من دون قواعد سليمة، لذلك كنت بحاجة إلى شخص يصحح لي المقالات قبل نشرها”.
من هنا، وُلدت الفكرة البسيطة التي تحوّلت لاحقاً إلى أساس مشروع كامل: أن يكتب اللاجئ، ويساعده شخص ألماني على صياغة النص وتصحيحه. وفي عام 2017، أُطلق المشروع تحت اسم “Flüchtling Magazin”، بعد جهود مشتركة بين عدد قليل من الأشخاص، لم يتجاوزوا في البداية اثنين أو ثلاثة. اليوم، وبعد سنوات، يقترب عدد من تعاونوا مع المنصة من 920 شخصاً.
الكتابة كشراكة
في “كوهيرو”، لا تُكتب النصوص بشكل فردي دائماً. هناك مساحة للعمل المشترك، حيث تلتقي التجربة مع اللغة، وتلتقي القصة مع من يساعد على صياغتها. و”ضمن مشروع Schreib Tandam نجمع شخصاً مهاجراً لديه قصة يريد كتابتها، مع شخص خلفيته ألمانية يساعده في تصحيح النص أو كتابة المقال معه”.
ورغم أن الهدف هو تمكين المهاجرين من الكتابة، إلا أن الحضور الألماني في المنصة ما يزال أكبر. “لدينا دائماً عدد أكبر من الألمان المشاركين، ربما لأننا ننشر باللغة الألمانية، ولذلك يجدنا الألمان بسهولة أكبر”.
اسم يحمل المعنى
في عام 2020، لم يعد اسم “Flüchtling Magazin” كافياً للتعبير عن الفكرة التي كبرت. فتغيّر الاسم إلى “كوهيرو”، وهي كلمة قادمة من لغة الإسبرانتو، تعني التماسك أو التضامن الاجتماعي. لكن التغيير لم يكن في الاسم فقط. فالفكرة نفسها اتسعت ولم تعد مقتصرة على من وصلوا حديثاً، بل شملت أيضاً أبناءهم، الجيل الثاني والثالث، أولئك الذين يعيشون بين لغتين، وربما بين هويتين. “تجربة من جاء إلى ألمانيا وهو كبير تختلف عن تجربة من وُلد هنا. لذلك نحاول أن نعرض قصص هذه الأجيال المختلفة”.
ما بين الترحيب والتحوّل
عندما يتحدث الظاهر عن السنوات الأولى، يعود إلى ما يسميه كثيرون “ثقافة الترحيب”. “في عامي 2015 و2016، كان هناك ترحيب كبير، لكن بعد 2017 بدأت هذه الثقافة تتراجع، واليوم نرى أن اليمين واليمين المتطرف يزدادان قوة”. ومع ذلك، لا يضع كل شيء في سلة واحدة. فهو يرى أن هامبورغ، حيث يعيش، ما تزال المساحة مختلفة إلى حدّ ما. “هي مدينة متعددة الثقافات ومنفتحة، لذلك على مستوى المجتمع لم نشعر بتغير كبير”. ويشير بذلك إلى الفرق بين السياسة اليومية وما يعيشه الناس في تفاصيل حياتهم.
عمل كثير… وموارد قليلة
وراء كل هذا، هناك عمل يومي لا يُرى دائماً. فريق متنوع، جزء كبير منه يعمل بشكل تطوعي، يحاول الاستمرار رغم محدودية الإمكانيات. “نحن نقوم بالكثير من العمل بموارد محدودة” لذلك يبقون دائماً في حالة بحث عن سبل التمويل “نحن نعتمد على مصادر متعددة، إذ نحصل على دعم من مؤسسات، بالإضافة إلى تمويل فردي من أشخاص داعمين. كما نمتلك متجراً إلكترونياً نبيع من خلاله النسخ المطبوعة من المجلة، والكتب، وغيرها من المواد. إلى جانب ذلك، ننظم فعاليات نبيع تذاكرها، ولدينا أيضاً إيرادات من الإعلانات. كما نوفر نظام عضوية مدفوعة، حيث يمكن للمهتمين الاشتراك ودعم المشروع من خلال هذه العضوية”.
ويحاولون من خلال هذا التنوع في مصادر التمويل أن يجمعوا أكبر قدر ممكن من الموارد، بهدف الوصول إلى دخل ثابت ومستمر ومستدام. لكن التحدي يحمل في داخله جانباً آخر. فالفريق الكبير يمنح بعداً أكبر للعمل. “وجود أشخاص من ثقافات مختلفة يمنحنا إمكانية رؤية الأمور من زوايا مختلفة”.
أن يكون لنا صوت
وبعد نحو تسع سنوات، لا يدّعي حسام أن كل شيء وصل، أو أن كل قصة أحدثت أثراً. فبعض النصوص تمرّ بهدوء، وأخرى تترك صدى. لكن الفكرة الأساسية بقيت كما هي.”يجب أن يصل صوتنا وقصتنا إلى الرأي العام” وربما هنا، تتحول المنصة من مشروع إعلامي إلى دعوة شخصية يوجهها حسام. دعوة للاجئين والمهاجرين، إلى ألا يظلوا على هامش المجتمع الذي يعيشون فيه. “كثير من اللاجئين ما زالوا يعيشون ذهنياً في بلادهم، رغم أنهم هنا، لكن أبناءنا سيعيشون هنا، لذلك يجب أن نكون جزءاً من هذا المجتمع”.
في “كوهيرو”، لا يشترط أن تكون اللغة مثالية، ولا أن تكون الجملة خالية من الأخطاء. ما يهم هو أن تُقال القصة، أن تُكتب وأن تُسمع. “نحن نحاول أن نكون جسراً، جسراً يربط بين المهاجرين والمجتمع الألماني”.
