ما مدى صحة فكرة أن بعض الدول الأوروبية تعاني من معدلات أعلى للغياب بسبب المرض؟ وهل يعني ذلك فعلاً أن العمال في ألمانيا أقل التزامًا مقارنة بغيرهم في أوروبا؟ هذه الأسئلة تعود إلى الواجهة مع تصاعد الجدل حول الإنتاجية في ألمانيا وسياسات الإجازات المرضية، في وقت تحاول فيه الحكومات تعزيز النمو الاقتصادي دون الإضرار بصحة الموظفين.
الإجازة المرضية في أوروبا: ألمانيا ضمن “الوسط الأوروبي”
تشير بيانات مقارنة أوروبية إلى أن ألمانيا ليست من الدول ذات أعلى معدلات الغياب المرضي، بل تقع في نطاق متوسط داخل القارة. ووفق تحليل معتمد على بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يبلغ متوسط الغياب في ألمانيا نحو 3.6 أسابيع سنوياً للعاملين بدوام كامل، وهو مستوى أقل من دول مثل النرويج التي تسجل معدلات أعلى، وأعلى من دول مثل اليونان أو رومانيا التي تظهر أرقاماً منخفضة للغاية. لكن هذه الفوارق لا تعكس بالضرورة اختلافاً في الصحة العامة، بل ترتبط بعوامل مثل أنظمة الحماية الاجتماعية، وطريقة تسجيل الإجازات المرضية، ومستوى الأمان الوظيفي.
اختلاف الأنظمة وليس اختلاف الوضع الصحي
توضح الدراسات أن الدول التي تسجل معدلات غياب منخفضة جداً، مثل اليونان أو رومانيا، لا تعني بالضرورة أن سكانها أكثر صحة، بل إن جزءاً من التفسير يعود إلى ضعف الحماية الوظيفية أو فقدان الدخل عند المرض، ما يدفع بعض العاملين إلى الاستمرار في العمل رغم المرض.
في المقابل، قد تسجّل دول توفر تعويضاً أفضل عند الإجازة المرضية أرقاماً أعلى، لأن العمال يستطيعون التوقف عن العمل دون خسارة مالية كبيرة، وهو ما يجعل البيانات أكثر شفافية.
سياسات الإجازة المرضية تحت النقاش
يشهد النقاش السياسي في ألمانيا دعوات لتقييد بعض التسهيلات المتعلقة بالإجازة المرضية، مثل الإجازة عبر الهاتف أو إدخال ما يسمى “أيام الانتظار” التي لا تُدفع فيها الأجور في اليوم الأول من المرض. الهدف المعلن من هذه المقترحات هو تقليل الغياب وتحفيز الإنتاجية. لكن خبراء سوق العمل يحذرون من أن هذه الإجراءات لا تؤدي بالضرورة إلى خفض معدلات المرض، بل قد تدفع بعض الموظفين إلى العمل أثناء المرض، مما يزيد من المخاطر الصحية داخل بيئة العمل.
عوامل جديدة وراء ارتفاع الغياب
تشير التحليلات الحديثة إلى أن أنماط الغياب تغيرت بعد جائحة كوفيد-19، مع ارتفاع ملحوظ في حالات الأمراض التنفسية، إضافة إلى زيادة الإجازات المرتبطة بالصحة النفسية. فقد ارتفعت أيام الغياب بسبب الاضطرابات النفسية في بعض البيانات التأمينية بنحو كبير خلال العقد الأخير.
هذا التحول يعكس تغيّر طبيعة بيئة العمل، وليس مجرد “تراجع في الانضباط”، كما يُطرح أحيانًا في النقاش العام.
الإنتاجية لا ترتبط بعدد أيام الحضورفقط
تؤكد المقارنات الأوروبية أن ارتفاع معدلات الغياب لا يعني انخفاض الإنتاجية بالضرورة. فبعض الدول التي تسجل غياباً أعلى تحقق في الوقت نفسه مستويات إنتاجية قوية، بينما دول أخرى ذات غياب منخفض لا تحقق أداءً اقتصادياً مرتفعاً. وبالتالي، فإن العلاقة بين الصحة، وسياسات العمل، والإنتاجية أكثر تعقيداً من مجرد عدد أيام الغياب، وتحتاج إلى قراءة أوسع تأخذ في الاعتبار ظروف العمل والحماية الاجتماعية.
