Canva
مارس 31, 2026

على بال مين يلي بترقص بالعتمة يا سيد ميرتس؟

المفارقة في تصريحات فريدريش ميرتس ليست في قسوتها، بل في بساطتها! أن تقول إن مئات آلاف البشر يمكن إعادتهم خلال ثلاث سنوات يبدو على الورق خطة واضحة، لكنه في الواقع أكثر تعقيداً بكثير من أن يُختصر في تصريح. فبين الجملة والواقع تقف بيروقراطية ألمانية معروفة بأنها تحتاج أشهراً، وأحياناً سنوات، لإنجاز معاملة واحدة! وإذا نظرنا فقط إلى الأرقام، سنجد أن ألمانيا رحّلت في عام 2025 نحو 22 ألف شخص من جميع الجنسيات، حتى مع ارتفاع عمليات الترحيل. وإذا افترضنا جدلاً ترحيل هذا العدد سنوياً من السوريين فقط، فإن الأمر سيستغرق عشرات السنوات، لا ثلاث سنوات فقط.

التاريخ يجيب!

المصيبة في هذه التصريحات أنها تقول لناس عاشوا هنا عشر سنوات إن حياتهم ما زالت مؤقتة. لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كم سيعود منهم، بل من يقرر أصلاً متى تنتهي حياة اللجوء؟ هل يقررها السياسيون في خطاباتهم، أو يقررها الناس عندما تصبح العودة ممكنة فعلاً؟ التاريخ القريب يجيب بوضوح. فبعد حرب البوسنة في التسعينيات، عاد مئات آلاف اللاجئين، لكن عودتهم استغرقت سنوات طويلة، واحتاجت إلى برامج دعم وإعادة إعمار وضمانات أمنية، ولم تكن عودة كاملة ولا سريعة. في كل تجارب اللجوء تقريباً، من البلقان إلى العراق إلى أفغانستان، لم تنجح أي دولة في إعادة أغلبية اللاجئين بقرار سياسي سريع، لأن العودة لا تتعلق بالحدود فقط، بل بالحياة نفسها في البلد الأصلي. هل هناك بيت، مدرسة للاطفال؟ أصار البلد أماناً؟ هذه الأسئلة هي التي تقرر، وليس التصريحات الموسمية.

العودة تحدث عندما تكون ممكنة

المفارقة الأخرى أن ألمانيا تعرف هذه القصة جيداً. في الستينيات مثلاً، جاء مئات آلاف العمال من تركيا وإيطاليا واليونان كعمال ضيوف، وكان يفترض أن يعودوا بعد سنوات قليلة. لكن غالبية كبيرة منهم لم يعودوا. استقروا، وأصبحوا جزءاً من المجتمع الألماني، لأن الحياة لا تُبنى على صفة “مؤقت”، بل على مرور الزمن. من يعيش 10 سنوات في بلد، يعمل، يتعلم اللغة، يكبر أطفاله في مدارسه، لا يعود الشخص نفسه الذي وصل أول مرة. الزمن يغيّر كل شيء، والسياسة غالباً تتأخر عن فهم ذلك. لهذا، حين يتحدث السياسيون عن إعادة مئات آلاف البشر خلال سنوات قليلة، يبدو الأمر أحياناً وكأنه نكتة.

العودة ستحدث، نعم، لكن ليس بهذه الطريقة، وليس بهذا الإيقاع، وليس لأن سياسياً قرر إبهار ناخبيه في مؤتمر صحفي. العودة تحدث عندما تصبح العودة ممكنة، وعندما يشعر الإنسان أن هناك حياة بانتظاره، لا مجرد وطن بانتظاره. وفي النهاية، يبقى سؤال واحد: على بال مين يلي بترقص بالعتمة يا سيد ميرتس؟  فاللاجئون ليسوا حقائب تُنقل من درج إلى آخر، بل حيوات كاملة.

Amal, Frankfurt!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.