Foto: Christoph Gollnow/dpa
مارس 31, 2026

تقاطع المصالح بين برلين ودمشق… اللاجئون كورقة تفاوض

ما إن انتشر إعلان زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لبرلين حتى (وضع السوريون/ات أيديهم على رؤوسهم)، تحسباً. ورغم فرح الكثير منا وشعورهم بالرضا، إلا حالة من القلق المشوب بالحذر تسيطر على الأجواء، فالزيارة ليست سوى حدث سياسي يعكس تغييراً واضحاً لتعامل ألمانيا مع الملف السوري. ولا يمكن فصلها عن السياق العام الذي يدور في الأروقة الأوروبية حول الهجرة، ولا عن التقلبات في السياسات الداخلية الألمانية التي أصبحت تتعامل مع السوريين والسوريات بوصفهم ملفاً سياسياً مفتوحاً أكثر من كونهم حالة إنسانية.

ولم يعد هذا التوجه مجرد قراءة تحليلية أو استنتاج سياسي، بل بات أكثر وضوحاً مع التصريحات الرسمية التي تحدثت عن إمكانية عودة نسبة كبيرة من اللاجئين السوريين خلال فترة زمنية محددة، وصلت إلى الحديث عن عودة قد تصل إلى 80٪ خلال ثلاث سنوات. مثل هذه الطروحات لا تعكس فقط توجهاً سياسياً، بل تطرح تساؤلات جدية حول مدى واقعيتها، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة داخل سوريا، والتي ما تزال تشكّل عائقاً أمام أي عودة واسعة ومستقرة.

العودة ليست قراراً عاطفياً بل معادلة بقاء

إن القلق الذي يرافق هذا الحدث مرده ليس رمزيته السياسية، بل وعي عميق للواقع داخل سوريا. فالتدهور الاقتصادي، وضعف البنية التحتية، وهشاشة الوضع الأمني، جميعها عوامل تجعل الحياة اليومية في سوريا تجربة محفوفة بعدم الاستقرار، وتعيق بشكل كبير أي تصور واقعي لعودة آمنة. ورغم رغبة الكثيرين بالعودة والمساهمة في إعادة إعمار بلد أعيته ممارسات نظام الأسد الهارب، فإن هذه الرغبة تصطدم بواقع معقد يفرض على العائلات حسابات دقيقة تتعدى العاطفة إلى شروط البقاء والاستمرار.

خوف السوريين/ات مفهوم. فمنذ سنوات نعيش كسوريين تحت مجهر الإعلام الألماني مع معرفة واضحة لقدرته على تشكيل صورة اللاجئين. وبعد أن كان الخطاب العام يركز على البعد الإنساني في السنوات الأولى، يجنح الآن تدريجياً نحو طرح أسئلة تتعلق بالاندماج وإمكانية العودة والتوزيع الديمغرافي (ويعتبره عبئاً). هذا التحول غير معلن دائماً بشكل مباشر، لكنه ينعكس في السياسات العامة ومن خلال النقاش، مع تزايد المطالب بإعادة تقييم وضع الحماية لبعض اللاجئين وربط مستقبلهم بتطورات الداخل السوري.

والنتيجة هي تحول تدريجي إلى مقاربة أكثر براغماتية ترتبط بالأمن الداخلي وإدارة الهجرة. وهذا يؤدي إلى تعويم حدود الممكن سياسياً ويزيد قلق من يعيشون على صفيح ساخن تحركه قوى لا يستطيعون مجابهتها.

انقسام سياسي بلا استراتيجية واضحة

أما سياسياً، ورغم أن وزارة الخارجية الألمانية ماتزال تقيم الوضع على أنه غير آمن. إلا أن تيارات سياسية تدفع نحو تشديد سياسات اللجوء وتسريع عمليات الترحيل، وتتعامل مع الملف السوري من زاوية تقليل الضغط الداخلي. ويعكس هذا التوجه تبايناً سياسياً. خاصة وأن أطرافاً أخرى بالمقابل تحاول الحفاظ على التزامات قانونية وإنسانية أكثر توازناً، وتحذر من أي خطوة متسرعة تجاه بلد ما يزال يفتقر إلى الاستقرار الحقيقي. لكن المحصلة النهائية ليست سياسة واضحة بقدر ما هي إدارة مترددة لملف معقد، تتحرك فيه ألمانيا بين ضغوط الداخل وحسابات الخارج.

إعادة الإعمار هو المدخل الحقيقي للملف

غير أن العامل الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل هذا المشهد لا يتوقف عند الخطاب السياسي أو الإعلامي، بل يتعداه إلى البعد الاقتصادي المرتبط بإعادة الإعمار في سوريا. فغياب بيئة اقتصادية مستقرة داخل البلاد، وتدهور البنية التحتية، وتراجع القطاعات الإنتاجية، كلها عوامل تجعل من الحديث عن عودة واسعة للسوريين أمراً غير واقعي في المدى القريب. الاقتصاد السوري اليوم لا يعاني فقط من آثار الحرب، بل من اختلالات هيكلية عميقة تحدّ من قدرته على خلق فرص عمل كافية تضمن استدامة هذه العودة.

 الدعم المشروط ليس إلا سياسة هجرة مقنّعة

في المقابل، لا تنظر الدول الأوروبية، ومن بينها ألمانيا، الى ملف الدعم الاقتصادي وإعادة الإعمار من زاوية إنسانية، بل تراه وفق حسابات سياسية مرتبطة بإدارة ملف الهجرة. فالدعم الاقتصادي المشروط، يُنظر إليه كأداة يمكن أن تسهم في خلق ظروف تسمح بتقليل الضغوط المرتبطة باللجوء، أو على الأقل إعادة تنظيمها بشكل ينسجم مع أولويات الداخل الأوروبي. هذه المصالح المتبادلة بين الخطاب السياسي والاقتصادي ليست إلا عجلة تدور غير آبهة بمصير السوريين الذين يجدون مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم في ألمانيا، لكنهم يعيشون حالة قلق دائم تجاه إمكانية تحقيق ذلك.

وعلى الجانب الآخر وبعد أن كان ملف اللاجئين يُقدَّم كأحد أبرز وجوه المأساة السورية. يتعامل النظام في دمشق اليوم مع ملف اللاجئين وإعادة الإعمار بوصفه ورقة ذات أبعاد سياسية واقتصادية في آن واحد. فخطاب “العودة” لا يُطرح فقط كهدف إنساني، بل كدليل على استعادة الدولة لقدرتها على فرض الاستقرار، وكأداة لتحسين موقعها كمفاوض على الساحة الدولية. وفي هذا الإطار، يصبح ملف اللاجئين جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى كسر العزلة السياسية، واستقطاب الدعم الخارجي، وإعادة فتح قنوات التواصل مع الفاعلين الدوليين.

حل الملفات العالقة هي الطريق إلى الاستقرار

أما داخلياً، فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية ما تزال تشكل عائقاً رئيسياً أمام أي مسار استقرار حقيقي. فضعف القدرة الشرائية، وتراجع فرص العمل، وغياب سياسات اقتصادية فعالة، عدا عن التهاون في التعامل مع الملفات الحساسة كملف الأقليات، الذي لا يقف عند حد مستوى التمثيل وضمان الحقوق ضمن البنية السياسية القائمة، بل يتعداه إلى الخوف الدائم من تكرار المجازر والخطف الذي لم يتوقف بعد. بالإضافة إلى تعامل الحكومة مع ملف المختفين قسراً وملف المحاسبة، الذي يُعد من أكثر القضايا إيلاماً وإثارة للجدل، نظراً لغياب بيانات واضحة أو آليات مستقلة وشفافة لكشف مصيرهم. جميع هذه العوامل تُبقي الواقع السوري في حالة من الهشاشة المستمرة. هذا الواقع لا ينعكس فقط على الداخل، بل يمتد تأثيره إلى الخارج، حيث يشكل عنصراً حاسماً في قرارات السوريين المتعلقة بالبقاء أو العودة، ويحدّ من قدرة أي سياسة على فرض نفسها كخيار واقعي يسمح باستمراريته.

العودة الانتقائية بديل للعودة الآمنة

ولأن خطاب دمشق الرسمي حول فكرة “العودة الآمنة والطوعية” لا يقل مرونة وبراغماتية عن خطاب الإعلام الألماني. من حيث تعويم طرحه دون تقديم ضمانات واضحة أو آليات مستقلة للتحقق. واستخدام الملف كورقة ضغط ناعمة تارة وأداة مساومة تارة أخرى. فمن اللافت أن أي حديث عن “إعادة اللاجئين” لا يعني بالضرورة فتح الباب أمام الجميع. وهنا تتحول العودة إلى عملية انتقائية تخدم مصالح الطرفين ويُختزل اللاجئون إلى فئات “مرغوب بها” وأخرى “قابلة للتبادل”.

مصير يُدار من الخارج

وإلى أن يحدث ذلك سيبقى السوريون أنفسهم يرددون هتافاً رددوه منذ انطلاق الثورة السورية. هذا الهتاف لا يعبر عن إيمانهم فحسب، بل يصف ما يشعرون به من الضعف والخوف “يا الله مالنا غيرك يا الله!”. كتعبير دقيق لشعورهم بأنهم ليسوا أفراداً يبحثون عن الاستقرار، بل جزءاً من لعبة سياسية أكبر.

 

 

 

 

 

 

Amal, Frankfurt!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.