تناولت إحدى جلسات مؤتمر وارسو للبعد الانساني الجانبية، موضوع أطفال ونساء داعش. بدأت بياتريس إريكسون، المؤسسة المشاركة والمتحدثة باسم منظمة “Repatriate the Children Sweden” (RTC Sweden)، حديثها بقصة أماندا، وهي شابة سويدية تبلغ من العمر 23 عامًا اعتنقت الإسلام في مراهقتها وتطرفت لاحقًا.
قصة أماندا وسعي الجد لإنقاذ أحفاده
اعتنقت أماندا، الشابة السويدية، الإسلام في سنوات مراهقتها، وأصبحت متطرفة، لتتزوج لاحقاً من مايكل سكرومو الذي أصبح يعرف بأنه الإرهابي السويدي الأكثر شهرة. سافرت معه إلى الرقة في سوريا مع أطفالهما الأربعة في عام 2014، وجميعهم دون سن الرابعة، للعيش تحت حكم داعش. وفي سوريا، وأنجبت ثلاثة أطفال آخرين. طوال الوقت، ظلت على اتصال مع والدها في السويد، باتريسيو جالفيز. قُتلت أماندا في غارة جوية في يناير 2019، وقُتل زوجها أيضًا، في حين نجى أطفالها السبعة. عندما سقطت ما يسمى بدولة الخلافة، شرع الجد في رحلة منفردة للبحث عن أحفاده دون أي مساعدة من الحكومة السويدية، ووثق تلك الرحلة المخرج غوركي غلاسر-مولر في فيلم “أطفال العدو“. استطاع الجد من إيجاد أحفاده السبعة وبعد إصراره حصل على ضمانات من الحكومة السويدية اللازمة لمغادرة الأطفال مخيم الهول والعودة إلى ديارهم.
الوضع المزري في مخيمات الاحتجاز
لا يزال هناك عدد كبير من المواطنين الأجانب بين ما يقدر بـ 56 ألف شخص محتجزين/ات في ظروف قاسية في في المخيمات والسجون المؤقتة شمال شرق سوريا، معظمهم من الأطفال. تناول مؤتمر وارسو، موضوع الإهمال الدولي لحل هذه الأزمة الإنسانية. ناقش المشاركون الافتقار المستمر إلى التقدم في حل هذه القضية والحاجة إلى قيام دول منظمة الأمن والتعاون في أوروبا بإعادة مواطنيها على وجه السرعة من المخيمات ومراكز الاحتجاز.

جهود السويد في إعادة مواطنيها
تحدثت بياتريس إريكسون أنه: ” بين سبتمبر/ أيلول 2021 ومايو/ أيار 2022، أعادت السويد 12 امرأة و23 طفلًا. كما ساعدت 6 نساء و11 طفلًا آخرين على العودة إلى السويد بعد أن هربوا بأنفسهم من المخيمات وتلقوا المساعدة في دمشق وتركيا للعودة إلى ديارهم. بذلك، تكون السويد قد أعادت تقريبًا جميع مواطنيها من النساء والأطفال. ومع ذلك، لا تزال هناك 5 أمهات و5 أطفال سويديين في المخيمات بشمال شرق سوريا، مما يترك عملية إعادة المواطنين السويديين غير مكتملة. للأسف، تم تسييس هذه القضية، وهي في الأصل قضية قنصلية تتعلق بتقديم المساعدة لمواطنين يحتاجون إلى الإجلاء.”
انتهاك حقوق الإنسان في مخيمات الاحتجاز
إن التخلي عن عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال المحتجزين في شمال شرق سوريا في ظروف تهدد حياتهم ينتهك حقوقهم، ويضعف الإطار الدولي لحقوق الإنسان ويقوض مصداقية دول منظمة الأمن والتعاون في أوروبا عند انتقاد الانتهاكات في الخارج. تقول سمر خميس مسؤولة في مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان : “في إطار مبادراتنا الحقوقية، واجهنا بعض القرارات القضائية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان، وخاصة فيما يخص التعذيب وسوء المعاملة. القضية الأساسية هي كيف يمكن للدول حماية الأفراد من هذه الممارسات المحظورة قانونياً. في أحد القرارات، تم التأكيد على أهمية حماية الأشخاص المعرضين للخطر، بينما في قرار آخر، تم تأكيد عدم إمكانية إعادة هؤلاء الأشخاص إلى بلدانهم حيث يمكن أن يتعرضوا للانتهاكات“.

مخاطر ترك العائلات في المخيمات
كما أشارت المتحدثة باسم منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن الخطر لا يكمن في إعادة هؤلاء العائلات، بل في تركهم في بيئاتهم الحالية، حيث يواجهون المرض والموت والدمار. إن إعادة تأهيل الأسر هو الخطوة الأولى، ويجب أن يتم ذلك على المستوى الفردي، بالتعاون الوثيق بين المؤسسات العامة، مثل مؤسسات الرعاية الاجتماعية، والتعليمية، والأمنية، والتحقيقات، وأيضًا بالتعاون مع المجتمع المحلي والمجتمع المدني، بما في ذلك الزعماء الدينيين. علينا أن نتذكر أن هؤلاء الأسر لم يكونوا فقط في أماكن الإرهابيين، بل كانوا جزءًا من مجتمعاتنا. لذلك، من المهم أن يكون هناك استقبال مُخطط ومُحكم، وأن تتوفر لهم الفرص للاندماج في المجتمع.
تجربة دول آسيا الوسطى في إعادة مواطنيها
دول مثل كازاخستان وقيرغيزستان ودول آسيا الوسطى الأخرى إلى أن الأشخاص الذين تمت إعادتهم ليسوا إرهابيين بل ضحايا لداعش. هذا النهج مختلف تمامًا عن بعض الدول التي وصفت الأطفال الذين تمت إعادتهم بأنهم “قنابل موقوتة“، مما يُظهر اختلافًا كبيرًا في التعامل مع هذا الموضوع. بالإضافة إلى ذلك، بعض الدول مثل ألمانيا وفنلندا تمكنت من إعادة مواطنيها، بمن فيهم أشخاص تم سجنهم وهم أطفال ثم أصبحوا بالغين في السجن. هذا النهج يظهر أن عملية الإعادة قد تتطلب تعاونًا بين السلطات المحلية والدولة المستقبلة.
الظروف القاسية للأطفال في المخيمات
لا يزال العديد من الأطفال يعانون في مخيمي الهول وروج في شمال شرق سوريا، حيث يواجهون تجارب قاسية مشابهة لأيتام الحرب. رغم المناشدات الدولية لإعادتهم، ورغم أن الحالة الأليمة لهؤلاء الأطفال معروفة جيدا للمجتمع الدولي، فقد قوبلت تلك النداءات في البداية بمستويات عالية من التردد وأغرقتها المخاوف من أن هؤلاء الأطفال وأمهاتهم يشكلون خطرا على بلدانهم الأصلية.
دور الإرادة السياسية في اتخاذ القرارات
تشير سمر خميس إلى أن: ” في ألمانيا، هناك نقاش واسع حول مسألة إعادة بعض الأفراد إلى بلادهم الأصلية، ويؤكد البعض على أهمية حماية هؤلاء الأشخاص من سوء المعاملة في ظل الظروف الراهنة. من ناحية أخرى، تلعب الإرادة السياسية دورًا كبيرًا في اتخاذ هذه القرارات، سواء كان ذلك بخصوص إعادة الأشخاص أو تقديم الدعم اللازم لهم. وهم محكومون بما يريده مواطنيها، لذا من المهم أن يكون هناك عمل مع القواعد الشعبية من اجل هذا الموضوع، كما أن ألمانيا تقوم بالعمل على كل حالة بحد ذاتها. وتضيف: ” القضية ليست فقط حقوقية، ولكنها أيضًا سياسية وأمنية. يجب على الحكومات اتخاذ قرارات حكيمة تراعي الجوانب الإنسانية، مع التأكيد على أن هؤلاء الأفراد قد لا يمثلون جميعهم تهديدًا. لا يمكن تحميل الأطفال أو الأجيال الجديدة نتائج أخطاء أهاليهم. يجب أن يكون هناك طريق لإعادة تأهيل هؤلاء الأفراد ودمجهم في المجتمع، مع تطبيق القانون عليهم بإنصاف”.

دعوات الدول لتحمل المسؤولية
منذ عام 2019، اتبعت عدة دول أجنبية، بما في ذلك السويد، خطوات إعادة مواطنيها. مؤخراً، أعادت الولايات المتحدة وهولندا وكندا وفنلندا ما مجموعه 22 شخصاً. تستمر الإدارة الذاتية التي يقودها الأكراد، والمشرفة على المخيمات، والحكومة العراقية المجاورة في الضغط على الحكومات لإعادة مواطنيها، نظراً للمخاوف الأمنية المشروعة بشأن عودة تنظيم داعش وتأثيره على استقرار المنطقة الهشة. دعا وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن جميع الدول إلى تحمل مسؤولياتها، مؤكداً أن “الحل الوحيد والدائم للأزمة الإنسانية والأمنية في هذه المخيمات في شمال شرق سوريا هو إعادة الأفراد إلى أوطانهم، وإعادة تأهيلهم وإدماجهم، مع ضمان المحاسبة عن أي انتهاكات عندما يكون ذلك مناسباً.”
ورغم أن 38 دولة على الأقل قد أعادت بعض أو معظم مواطنيها، لا يزال هناك نحو 44,700 طفل وامرأة محتجزين في مخيمي الهول وروج في شمال شرق سوريا. وبينما يحمل معظمهم الجنسية السورية أو العراقية، فإن 8,500 من النساء والأطفال هم رعايا دول أخرى من حوالي 60 دولة. يعتبر ذلك فضيحة دولية كبيرة، حيث تتهرب الدول الأعضاء في التحالف الدولي ضد داعش وأعضاء الناتو من مسؤولياتهم في مواجهة التهديد الأمني المزدوج الذي يتعرض له الأطفال في هذه المخيمات، وكذلك للمجتمع الدولي، نتيجة ترك هذه العائلات في بيئة تهدد حياتهم وتعرضهم للتطرف والتجنيد من قبل داعش. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر هذا رفضاً لضمان العدالة والحماية، مما يُعد خيانة لضحايا داعش.
الحاجة لتغيير في النهج الأمني
في ختام المناقشات، دعا المشاركون إلى ضرورة تغيير النهج الأمني للدول تجاه إعادة مواطنيها، حيث يعكس هذا التحول فهماً متزايداً بأن إعادة هؤلاء الأفراد قد تعزز الأمن بدلاً من تهديده.
Bild von Amloud Alamir
