لم تعد التحولات الكبرى تُقاس فقط بالأزمات السياسية أو الاقتصادية، بل أيضاً بما تتركه الأرقام من إشارات صامتة عن شكل المستقبل. ففي ولاية هيسن، تكشف التقديرات السكانية عن مسار مقلق تتراجع فيه أعداد السكان تدريجياً. فيما يتقدم العمر بساكني الولاية عاماً بعد عام. وبين انخفاض الولادات وازدياد الشيخوخة، تبرز أسئلة جدية حول ما إذا كانت واحدة من أهم الولايات الألمانية تدخل مرحلة ديمغرافية أكثر هشاشة وتعقيداً.
تحت ستة ملايين
بحسب التقديرات الرسمية، ونقلاً عن موقع “هيسنشاو” الإخباري، سينخفض عدد سكان ولاية هيسن لأول مرة إلى أقل من ستة ملايين نسمة بحلول عام 2057. هذه العتبة التي بدت طويلاً ثابتة في وعي سكان الولاية لم تعد مضمونة. إذ بلغ عدد السكان رسمياً 6.28 ملايين نسمة حتى نهاية عام 2024. وتشير الحسابات إلى أن التراجع لن يكون عابراً. بل مرشحاً للتسارع خصوصاً ابتداءً من عام 2040، ما يعني أن هيسن ستدخل عملياً مرحلة انكماش سكاني واضحة المعالم.
شيخوخة تتقدم
المسألة لا تتعلق فقط بانخفاض العدد، بل أيضاً بتبدل البنية العمرية للسكان. فمع استمرار تقدم المجتمع في السن، تتراجع معدلات الولادة. وتنخفض كذلك معدلات الهجرة ومتوسطات الأمل في الحياة وفق السيناريوهات الإحصائية الحالية. وتشير التوقعات إلى أنه بحلول عام 2050 سيكون واحد من كل أربعة أشخاص في هيسن فوق سن الخامسة والستين، بينما سيرتفع متوسط العمر من 44.3 عاماً إلى 47.3 عاماً. إنه تحول ديمغرافي يفرض أسئلة صعبة على سوق العمل، والرعاية الصحية، وشكل الحياة الاجتماعية في الولاية.
مدن تقاوم التراجع
ورغم هذه الصورة القاتمة، لا تبدو هيسن كلها في الاتجاه نفسه. فبعض المدن والمناطق ما تزال تقاوم منحنى الانكماش، بل وتحقق نمواً متوقعاً في عدد السكان. في مقدمة هذه المناطق تأتي هاناو بنسبة نمو تصل إلى 15.2 في المئة. تليها منطقة فيتراو بنسبة 11.5 في المئة، ثم أوفنباخ بنسبة 10 في المئة. كما يُتوقع نمو سكاني أيضاً في مدن أوفنباخ، وغيسن، ودائرة تاونس. هذه المؤشرات لا تغيّر المسار العام للولاية، لكنها تفتح نافذة أمل، وتؤكد أن المستقبل لا يُكتب بالأرقام وحدها، بل أيضاً بالقدرة على جذب الناس والاحتفاظ بهم.
