بحسبِ موقع Tagesschau الإخباري، أثار تعديل قانوني حديث في ألمانيا موجة من الجدل، بعد أن تبين أنه لا يقتصر على إعادة العمل بإجراءات الفحص الإلزامي للشباب الذكور، بل يشمل أيضاً قيوداً تتعلق بالسفر إلى الخارج، وهو ما اعتبره منتقدون مساساً بالحقوق الأساسية.
فمع بداية العام الجاري، دخل قانون جديد للخدمة العسكرية حيز التنفيذ، ينص على إخضاع الذكور من مواليد عام 2008 لفحص إلزامي، في خطوة تهدف -بحسب الحكومة- إلى دعم جهود توسيع قوام الجيش الألماني. إذ تسعى برلين إلى رفع عدد الجنود من 180 ألفاً حالياً إلى نحو 260 ألف جندي.
غير أن تقريراً لصحيفة “Frankfurter Rundschau” كشف عن بند آخر في القانون لم يحظَ باهتمام واسع سابقاً، يتعلق بقاعدة تم تعديلها لتشمل جميع الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و45 عاماً. إذ تنص هذه القاعدة على ضرورة الحصول على موافقة مسبقة من مراكز التوظيف التابعة للجيش الألماني في حال التخطيط للإقامة خارج البلاد لأكثر من ثلاثة أشهر.
قاعدة قديمة بصيغة جديدة
في توضيح رسمي، قالت وزارة الدفاع الألمانية إن الهدف من هذا الإجراء هو الحفاظ على سجل دقيق ومحدث للأشخاص الخاضعين لنظام التجنيد، بما يتيح للدولة معرفة أماكن وجودهم في حالات الطوارئ. وأضافت “أن من الضروري، في حال وقوع أزمة، معرفة من يقيم خارج البلاد لفترات طويلة”.
وأشارت الوزارة إلى أن هذه القاعدة ليست جديدة بالكامل، إذ كانت مطبقة خلال فترة الحرب الباردة، لكنها لم تكن ذات أثر عملي يُذكر آنذاك، كما أنها لم تكن مصحوبة بعقوبات. إلا أن التعديل الحالي يجعلها سارية حتى في غياب حالة الطوارئ أو الدفاع، وهو ما يثير تساؤلات قانونية وسياسية حولها.
محاولات لتخفيف الأعباء الإدارية
وأقرت الوزارة بأن انعكاسات هذه القاعدة على الشباب قد تكون “عميقة من حيث المبدأ”، مؤكدة أنها تعمل على إصدار لوائح إدارية لتوضيح آليات التطبيق. ومن بين هذه التوضيحات، أن الموافقة على السفر تُعد قد مُنحت تلقائياً طالما أن الخدمة العسكرية لا تزال قائمة على أساس طوعي.
كما يجري العمل على إعداد استثناءات من شرط الحصول على إذن مسبق، في مسعى للحد من البيروقراطية وتخفيف الأعباء الإدارية على المواطنين.
انتقادات قانونية
في المقابل، يرى خبراء قانونيون أن هذه التعديلات لا تمثل مجرد تسهيلات، بل هي التزام قانوني على عاتق الحكومة. إذ اعتبر خبير الشؤون القانونية في شبكة ARD، فرانك بروتيغام، أن اشتراط الحصول على إذن للسفر في ظل غياب خدمة عسكرية إلزامية يشكل تدخلاً كبيراً في الحقوق الأساسية للأفراد، ولا سيما حرية التنقل.
ويرى خبير القانون الدستوري فولكر بومه-نيسلر أن القاعدة الجديدة تمثل تدخلاً خطيراً في الحقوق الأساسية، محذراً من تداعياتها القانونية. وفي تصريح لموقع “NIUS”، أوضح أن هذه القاعدة تمس بشكل مباشر حرية التصرف العامة، قائلاً: “لا يُسمح لك بالبقاء في الخارج لفترة طويلة دون إذن — يجب أن نتأمل ذلك جيداً”. وأضاف أن ذلك يشكل تقييداً كبيراً لأحد الحقوق الأساسية.
وأشار إلى أن الدولة تضع بهذا الإجراء قاعدة لحالة لا تنطبق فعلياً في الوقت الراهن، موضحاً أن الحاجة إلى هذا النوع من القيود لا تظهر إلا في حال تطبيق الخدمة العسكرية بشكل إلزامي، بما في ذلك استخدام وسائل الإكراه عند الضرورة. لكنه شدد على أن التجنيد الإلزامي لا يُطبّق حالياً بشكل قسري، ما يجعل هذا الإجراء — بحسب تقديره — غير متناسب ومخالفاً للدستور. وخلص إلى القول: “أدعو بشدة إلى تفسير هذه القاعدة بما يتماشى مع الدستور، أو الأفضل من ذلك إعادة صياغتها بحيث تصبح دستورية”.
تأثير مباشر على الطلبة وتقويض لمبدأ الطوعية
يؤثر القانون على عدد كبير من الطلبة الذين يخططون للدراسة في الخارج لفصل دراسي واحد، في وقت تُعد فيه هذه الخطوة جزءاً أساسياً من المسار الأكاديمي في عدد من التخصصات.
وفي تصريح لإذاعة NDR 90.3، قال بول فايت، رئيس برلمان الطلبة في هامبورغ، إن بعض البرامج الدراسية تفرض أصلاً قضاء فصل دراسي خارج البلاد، ما يضع هؤلاء الطلبة أمام تعقيدات قانونية جديدة. وشدد فايت على أن الطلبة بحاجة ماسة إلى وضوح قانوني سريع يحدد التزاماتهم بدقة.
وفي موقف أكثر حدة، اعتبر إلياس غيرستنر، ممثل اتحاد الطلبة العام (AStA) في جامعة هامبورغ، أن هذه التعديلات تمثل خطوة تتجاوز مجرد التنظيم الإداري، قائلاً إنهم يرفضون الخدمة العسكرية الإلزامية بشكل كامل. وأضاف أن ما يجري يعكس توجهاً نحو تقويض مبدأ الطوعية في الخدمة العسكرية بشكل متزايد، محذراً من تداعيات ذلك على حقوق الطلبة وحرياتهم.
مواقف سياسية متباينة
سياسياً، تباينت ردود الفعل تجاه هذه القاعدة. إذ دعا ممثلون عن الاتحاد المسيحي (CDU/CSU) إلى اعتماد مقاربة عملية، حيث رأى المتحدث باسم الشؤون الدفاعية توماس إرندل أن هذا الإجراء لا يكتسب معنى حقيقياً إلا في حال إعادة فرض التجنيد الإلزامي. وأشار إلى أنه في ظل الطابع الطوعي الحالي للخدمة، يمكن الاكتفاء بفرض واجب الإبلاغ بدلاً من طلب إذن مسبق.
من جانبهم، طالب حزب الخضر الحكومة بتقديم توضيحات عاجلة، مؤكدين أن المواطنين من حقهم معرفة ما إذا كانوا ملزمين بالإبلاغ عن سفرهم، وما هي تفاصيل هذه الالتزامات.
أما في صفوف المعارضة، فقد انتقدت سياسية من حزب اليسار طريقة صياغة القانون، معتبرة أن الجدل القائم يكشف عن “ضعف في الإعداد التشريعي”. في حين دعا ممثل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) إلى إيجاد حل عملي يقلل من التعقيدات الإدارية، ويجنب الشباب أعباء غير ضرورية.
اهتمام دولي متزايد حول قاعدة “الموافقة المسبقة”
لا يقتصر الجدل حول هذه القاعدة على الداخل الألماني، بل امتد إلى الساحة الدولية، حيث تُتابَع هذه التطورات بمزيج من الدهشة والقلق. فقد تناولت وسائل إعلام دولية، من بينها صحيفة Le Parisien الفرنسية، وهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وصحيفة “Daily Mail” البريطانية، أبعاد هذه القاعدة الجديدة.
كما صدرت ردود فعل لافتة من خارج ألمانيا، إذ علّق رئيس السلفادور نجيب بوكيلي عبر منصة “إكس” قائلاً: “لكن تذكروا، هم يعيشون في ديمقراطية كاملة ونحن في ديكتاتورية. أنا متأكد أن من يضعون مؤشرات الحرية والديمقراطية سيقومون بتحديثها فوراً”.
وبين مساعي الحكومة لتوضيح القواعد وتخفيف آثارها، وانتقادات محلية ودولية متصاعدة، يبدو أن هذا البند سيظل محل نقاش في الفترة المقبلة، خاصة في ظل حساسيته المرتبطة بالحريات الفردية وإمكانية إعادة تفعيل سياسات التجنيد في ألمانيا.
