في الطابق العلوي من متحف الاتصال في فرانكفورت، تقف صورة كبيرة التُقطت في البصرة عام 2003. على يمين الصورة، جندي أمريكي يعطي جندياً عراقياً رشفة ماء. وعلى يسارها، جندي أمريكي آخر يوجّه سلاحه نحو الجندي نفسه. لحظة واحدة، لكنها تحمل قصتين متناقضتين تماماً. لاحقاً، لم تُنشر الصورة كاملة دائماً؛ أحياناً كانت تُقصّ إلى نصفين: نصف يظهر الرحمة، ونصف يظهر التهديد. الصورة التي التقطها المصوّر الفرنسي جان-مارك بوجو لم تتغير، الذي تغيّر هو الجزء الذي رآه الناس منها. هنا يبدأ المعرض الذي يحمل عنوان “الأخبار”، وربما هنا تبدأ الحكاية كلها: الأخبار ليست فقط ما يحدث، بل ما يختارونه مما يحدث.
عندما كان الخبر نادراً
في أحد أركان المتحف، يبرز المعرض كيف كانت الأخبار تُنقل قبل مئات السنين. لم تكن تصل كل يوم، ولم يكن العالم حاضراً في جيب الإنسان كما هو اليوم. كان الخبر يصل مع رسالة، أو تاجر، أو مسافر، وكان الناس يدفعون المال، وأحياناً الطعام، ليعرفوا ماذا حدث في مدينة أخرى. في أحد الأمثلة، كان ثمن معرفة خبر يساوي تقريباً ثمن اثنتي عشرة بيضة. كان الخبر نادراً، ولذلك كان مهماً، لأن معرفة ما يحدث في مكان بعيد قد تعني التجارة أو الحرب أو الأمان. اليوم تغيّرت المشكلة تماماً. فنحن نعرف ما يحدث في كل مكان تقريباً، لكننا لا نعرف دائماً ماذا يعني ما يحدث.

Foto: Haytham Abo Taleb
من يقرر ما هو خبر؟
في منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت وكالات الأنباء الكبرى مثل رويترز في لندن، وهافاس في باريس، ومكتب وولف في برلين. هذه الوكالات لم تكن تنقل الأخبار فقط، بل كانت تقرر أي الأخبار تستحق أن تُنقل أصلاً. لقد قسمت العالم إلى مناطق نفوذ إخبارية، وكانت كل وكالة تجمع الأخبار من منطقة معينة ثم تبيعها للصحف في أوروبا. بالنسبة للقارئ في ذلك الوقت، كان العالم الذي يقرأ عنه في الجريدة هو العالم الذي مرّ عبر هذه الوكالات. وإذا لم تنقل وكالة خبراً ما، فبالنسبة له، كأن هذا الحدث لم يحدث.
قصتنا كما يراها الآخرون
وأنا أتنقل بين أقسام المعرض، لم أكن أفكر فقط في تاريخ الأخبار، بل في شيء آخر. وهو فينا نحن العرب الذين نعيش في ألمانيا. نحن نعرف جيداً ماذا يعني أن تُروى قصتك من قبل شخص آخر، وأن تختصر حياتك في كلمة: لاجئ، أو مهاجر، أو أجنبي. نعرف كيف يمكن لصورة واحدة أن تمثل شعباً كاملاً، وكيف يمكن لعنوان واحد أن يختصر ملايين البشر. بالنسبة لكثير من الألمان، الشرق الأوسط هو ما يظهر في الأخبار: حرب، دمار، لاجئون، أزمات. وبالنسبة لكثير من العرب، ألمانيا هي أيضاً ما يظهر في الأخبار: قوانين لجوء، انتخابات، صعود اليمين، نقاشات الاندماج. لكن الحياة اليومية العادية لا تظهر كثيراً. حياة الناس مثلاً الذين يذهبون إلى العمل صباحاً، أو الطلاب في الجامعات، أو العائلات التي تحاول أن تبني حياة جديدة بين لغتين وثقافتين. صحيح أن المعرض لا يتحدث عن العرب تحديداً، لكنه يتحدث عن سؤال يشبهنا كثيراً: من يروي القصة؟

Foto: Haytham Abo Taleb
التعب من الأخبار
اليوم، تظهر دراسات كثيرة في ألمانيا أن اهتمام الناس بالأخبار ما يزال موجوداً، لكن ثقتهم بها تنخفض، وأن عدد الأشخاص الذين يتجنبون متابعة الأخبار يرتفع. السبب ببساطة ليس الجهل، بل التعب من كمية الأخبار والعناوين المهمة. متابعة الأخبار اليوم تعني التعرض يومياً لكمية هائلة من الحروب والأزمات والصراعات. ومع الوقت، يتحول الاهتمام بالأخبار إلى شعور بالعجز. إذ أننا نعرف ما يحدث في كل مكان تقريباً، لكننا لا نستطيع تغيير شيء.
الصورة الكاملة
في نهاية المعرض، عدتُ مرة أخرى إلى صورة البصرة. نظرتُ إليها طويلاً هذه المرة. في الجزء الأيسر قصة، وفي الجزء الأيمن قصة أخرى، أما الصورة الكاملة فهي أكثر تعقيداً من القصتين معاً. ربما هذا ما يحدث مع الأخبار أيضاً. نحن لا نرى العالم كما هو، بل كما يظهر في الإطار، في الصورة، في العنوان. وبالنسبة لنا نحن العرب في ألمانيا، ربما السؤال لم يعد فقط: ماذا يحدث في العالم؟ بل: من الذي يروي قصتنا، وأي جزء من الصورة يراه الناس عندما ينظرون إلينا؟
