في قلب محطة فرانكفورت الرئيسية، إحدى أكثر محطات القطارات ازدحاماً في ألمانيا، كنت أركض مسرعةً من رصيف إلى آخر خشية أن يفوتني القطار. وسط هذا الإيقاع المتسارع، شدّ انتباهي فجأة إعلان مكتوب باللغة العربية يحمل عبارتي “إفطاراً شهياً” و”حلال”. لم يكن الأمر مجرد رؤية لغتي الأم في فضاء عام ألماني، بل إن كلمتي “حلال” و”إفطاراً شهياً” تحديداً كانتا كفيلتين بإيقافي للحظة، رغم العجلة وتزاحم الأفكار.
مدينة فرانكفورت معروفة بأنها ليست مجرد مركز مالي أوروبي يحتضن مؤسسات اقتصادية عالمية، بل أيضاً واحدة من أكثر المدن الألمانية تنوعاً من حيث تركيبتها السكانية والثقافية. وبينما واصلت طريقي، راودني تساؤل يتجاوز حدود الإعلان نفسه: هل نحن أمام حملة تسويقية موسمية عابرة مرتبطة برمضان، أم أن هذا الإعلان يعكس تحولاً أعمق في المشهد العام الألماني؟. وهل أصبحت اللغة العربية، بما تحمله من دلالات ثقافية ودينية، جزءاً من الفضاء العام. ليس فقط بوصفها تعبيراً عن التنوع، بل أيضاً باعتبارها مؤشراً على واقع اقتصادي جديد تدركه الشركات وتسعى إلى مخاطبته؟
التسويق باللغة العربية.. تنوع ونمو اقتصادي
من حيث الإحصائيات الرسمية لعام 2020 يظهر أن نحو 5.5 مليون مسلم يعيشون في ألمانيا. أي ما يعادل حوالي 6.6٪ من إجمالي السكان، ما يجعل الإسلام ثاني أكبر ديانة في البلاد. ويتركزون بشكل خاص في المدن الكبرى مثل فرانكفورت، التي تضم مجتمعات مهاجرة متنوعة. وفقاً لمجلس الأديان، يعيش حوالي 120 ألف مسلم ومسلمة في فرانكفورت. بالإضافة إلى ذلك، هناك حوالي 2700 عضو من الجماعة الأحمدية الإسلامية.
كيف تستهدف الشركات التسويقية المسلمين في ألمانيا بمنتجات “الحلال”؟
لكن وبحسب الإحصائيات، تجاوز الأمر الاعتراف الثقافي إلى بعد اقتصادي واضح. إذ أظهرت دراسة أجريت عام 2021 ونشرتها البروفيسورة إيفون تسيغلر من جامعة فرانكفورت للعلوم التطبيقية أن 59% من المسلمين المقيمين في ألمانيا مستعدون لدفع مبالغ أعلى مقابل الحصول على منتجات غذائية مطابقة للشريعة الإسلامية. ما يعكس ارتفاع الطلب على الأغذية الحلال ويفتح فرصاً اقتصادية واسعة أمام سلاسل التوريد المتخصصة.
كما يقدَّر حجم سوق المنتجات الحلال في ألمانيا بالمليارات من اليورو. بينما تشير البيانات إلى وجود مئات المطاعم الحلال، مع تركّز ملحوظ في المدن الكبرى مثل فرانكفورت، ما يعكس قوة وتأثير هذا القطاع الاقتصادي. ويظهر هذا النمو المستمر أيضاً من خلال سلاسل السوبر ماركت الكبرى مثل Aldi و Rewe و Lidl و Penny و Edeka، التي أدرجت منتجات حلال ضمن مجموعاتها. بعضها في مواقع مختارة، تلبية لطلب المستهلكين وضمان توفر الأغذية الحلال على نطاق واسع داخل البلاد.
