بحسب تقرير لصحيفة Tagesspiegel الألمانية، بدأ المستشار الألماني فريدريش ميرتس، مساء الأربعاء، جولة رسمية شملت ثلاث دول خليجية هي المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، رافقه خلالها وفد اقتصادي. تأتي هذه الزيارة في ظل نقاش داخلي ألماني بين من يركز على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، ومن يحذر من تجاهل ملف حقوق الإنسان في المنطقة.
ضيافة على طريقة الخليج
خلال محطته في قطر ولقائه بالأمير تميم بن حمد، وُضع على مائدة المستشار الألماني فريدريش ميرتس طبق محلي تقليدي: لحم الجِمال الفاخر. وبعد الوجبة، قيل إن طعم اللحم كان شبيهاً بلحم البقر. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، لم يفوّت رئيس الدولة محمد بن زايد الفرصة ليقود المستشار بنفسه بسيارته الفاخرة من القصر الرئاسي إلى مطعم لتناول الغداء. أشياء كثيرة يمكن أن يعيشها المرء أو يتذوقها في سبيل عقد شراكات استراتيجية جديدة في منطقة الخليج.
السعودية: انتقادات حقوقية حادة مقابل حسابات استراتيجية
كانت المملكة العربية السعودية المحطة الأولى في جولة المستشار الألماني. وقبيل الزيارة، وجهت منظمة العفو الدولية انتقاداتٍ حادة، مشيرةً إلى سجل السعودية فيما يتعلق بحقوق الإنسان. وبحسب المنظمة، أُعدم أكثر من 180 شخصاً في النصف الأول من عام 2025 وحده، معظمهم على خلفية قضايا تتعلق بالمخدرات، وهو ما اعتبرته انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي. كما أشارت المنظمة إلى أن ناشطين ومدافعين عن حقوق الإنسان ما زالوا يقبعون خلف السجون أو تحت الإقامة الجبرية بعد محاكماتٍ وصفتها بأنها غير عادلة بشكل صارخ. وترى منظمات حقوقية أن تعزيز الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتم عبر دعم حكومات تنتهك الحقوق الأساسية، في حين تؤكد الحكومة الألمانية أن الاستقرار الإقليمي يشكل أولوية قصوى لها.
وخلال خلال زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى المملكة العربية السعودية، اتفق الجانبان على تعزيز التعاون في مجالات الطاقة (الهيدروجين والغاز)، والاستثمار، والصناعة، والأمن الإقليمي، مع تأكيد الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد.
الزيارة ركزت أيضاً على تنسيق المواقف السياسية والاقتصادية في ظل التوترات الدولية وسعي ألمانيا لتنويع شراكاتها خارج الإطار الغربي التقليدي.
قطر: شريك في قطاعي الطاقة والدبلوماسية في ملفات الشرق الأوسط
بعد السعودية، توجه ميرتس إلى قطر، التي تُعد شريكاً مهماً لألمانيا في مجالات الطاقة والاستثمار. وأتت الزيارة في إطار سعي الحكومة الألمانية إلى تعزيز الحوار مع الدول الخليجية بشأن أزمات الشرق الأوسط، ولا سيما النزاعات في غزة وسوريا والتوترات المرتبطة أيضاً بإيران. ومن وجهة نظر برلين، تلعب قطر دوراً مهماً في القنوات الدبلوماسية الإقليمية، إضافة إلى كونها شريكاً اقتصادياً في قضايا الطاقة، في وقت تسعى فيه ألمانيا إلى تنويع مصادرها وتعزيز أمنها بما بتعلق بالطاقة.
وأكد ميرتس في الدوحة أهمية تعميق الشراكة مع قطر، ولا سيما في أمن الطاقة وتوريد الغاز الطبيعي المسال (LNG)، ضمن سعي ألمانيا لتنويع مصادرها على المدى المتوسط. وشملت المباحثات أيضاً التعاون الاقتصادي والاستثماري وتبادل وجهات النظر حول الأمن الإقليمي والتوترات في الخليج وإيران، مع تأكيد دور قطر كوسيط إقليمي.
الإمارات: استثمارات وغاز مسال… وتساؤلات سياسية وحقوقية
كانت أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، المحطة الأخيرة في الجولة التي استمرت ثلاثة أيام. وأكدت الحكومة الألمانية وجود “إمكانات استثمارية كبيرة” في الإمارات، مع آمال بتوسيع استثمارات دول الخليج في ألمانيا. وفي تصريح له الجمعة في أبوظبي، شدد ميرتس على أن ألمانيا تحظى أيضاً في الإمارات بـ«سمعة عالية» بوصفها موقعاً جيداً للاستثمار، مضيفاً: «هذا ما يمكنني تقديمه من ألمانيا. نحن بلد يمكن الاعتماد عليه».
كما لوّح ميرتس بإمكانية التوصل إلى اتفاقية تجارة حرة مع الإمارات. وخلال لقائه برئيس الدولة محمد بن زايد، جرى توقيع عدد من مذكرات التفاهم، من بينها صفقة مع شركة RWE لتوسيع إمدادات الغاز الطبيعي المسال (LNG) إلى ألمانيا.
في المقابل، تثير الإمارات انتقادات حقوقية وسياسية، إذ تتهمها منظمات دولية بقمع أي معارضة داخلية، إضافة إلى دورها في النزاع السوداني عبر دعم قوات الدعم السريع، ما يُنظر إليه على أنه مساهمة في تفاقم إحدى أكبر الكوارث الإنسانية في العالم. وترى منظمات حقوق الإنسان أن على المستشار الألماني أن يطرح هذه القضايا بشكل علني إذا كان يسعى إلى استقرار حقيقي في المنطقة، في حين تؤكد الحكومة الألمانية أن الحوار المباشر هو السبيل لمعالجة الخلافات السياسية.
ما بعد الخليج: ميونيخ، واشنطن، وشبكة شراكات جديدة
رغم الشراكات الاستراتيجية خلال زيارته لمنطقة الخليج العربي، بدأ المستشار ينظر إلى ما هو أبعد. ففي الأسبوع المقبل يُعقد مجدداً مؤتمر ميونيخ للأمن. وفي العام الماضي، شهد اللقاء الرفيع المستوى هجوماً حاداً على أوروبا من قبل نائب الرئيس الأميركي آنذاك جيه دي فانس. غير أن الحكومة الألمانية ترى أن هذا الخطاب ساهم أيضاً في تسريع قناعة أوروبية بضرورة تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة.
ومن هذا المنطلق، يعمل ميرتس على نسج شبكة جديدة من الشراكات الاستراتيجية مع أطراف أخرى؛ فقبل وقت قصير كان في الهند، والآن في دول الخليج. ومن المقرر أن يلقي المستشار كلمة في ميونيخ يوم الجمعة، على أن يُتوقع وصول وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في اليوم التالي. وفي الأوساط الحكومية، يجري الاستعداد لمختلف السيناريوهات وتُنسّق الردود المحتملة داخلياً.
كما يلوح في الأفق أيضاً سفر المستشار إلى الصين، وتشير المعلومات إلى أنه سيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الثالث من مارس/آذار في البيت الأبيض. وسيكون ذلك ثالث لقاء له في واشنطن منذ توليه المنصب في مايو/أيار من العام الماضي. ومن المتوقع أن تتناول المحادثات التوترات العابرة للأطلسي، والحرب في أوكرانيا، والسياسة الجمركية الأميركية.
ريتا محليس
