بعيداً عن خيالات ديزني وبطولات هوليوود، جاء المشهد الأوّل لفيلم “مملكة القصب… كيكة الرئيس” صادماً بالنسبة لي. إذ اختار المخرج حسن هادي أن يبدأ عمله بصورة أخّاذة لبقعة في بلاد ما بين النهرين، جنوب العراق: انعكاس الشمس على سطح النهر، وقوارب التجذيف التي تُعدّ الوسيلة الأساسية للتنقّل هناك. غير أنّ هذا الجمال لا يلبث أن ينكسر مع اختراق صوت الطيران الحربي للسمع، فيعود المشاهد قسراً إلى الواقع؛ واقع عاشه العراقيون عام 1990 تحت القصف الأمريكي من جهة، وحصار اقتصادي خانق من جهة أخرى.
سرد الحكاية في سياقها التاريخي
تدور أحداث الفيلم في جنوب العراق خلال تسعينيات القرن الماضي، بعد غزو الكويت، وفي ظل العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الدول الغربية. تجبر الطفلة لمعاء على جمع مكوّنات كعكة للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس، وإلّا ستواجه عقوبة السحل في مدرستها. تبدأ رحلة الطفلة بحثاً عن النجاة من العقوبة وسط حصار جعل السكر والبيض حلماً بعيد المنال، بينما تعيش فقراً مدقعاً مع جدّتها “بيبي” وديكها “هندي” في أهوار بلاد ما بين النهرين. يمكن للمشاهد أن يلمس عمق الأثر الذي تركته تلك المرحلة على مؤلف ومخرج الفيلم حسن هادي. فبطلة الفيلم، ذات الأعوام التسعة، استطاعت بملامحها الطفولية وعمق نظراتها أن تعكس ما عاشه أطفال تلك المنطقة.

كيكة الرئيس
الإنسان في مواجهة الحصار والخوف
اختار المخرج موضوعاً يبدو بسيطاً في ظاهره، لكن من عاش الحصار يعرف قيمة نصف كيلو من السكر أو الطحين، ويدرك في الوقت ذاته عمق الخوف السياسي الذي يتسلّل إلى التفاصيل اليومية. فالسحل في شوارع القرية، والنقطة السوداء في الملف الأمني، ليستا مجرّد تهديدين، إنهما آلتا قمع فعّالتان.
يقود هذا الخوف المشروع الفيلم إلى نهاية هادئة وحذرة، يسودها الترقّب والقلق على مصير طفلة تستميت للحصول على مكوّنات وصفة كعكة عيد ميلاد الرئيس. وتمرّ من أجل ذلك بمواقف صعبة. رحلة يوم واحد تكشف صعوبة ما عاشه العراقيون إنسانياً واقتصادياً، كما تفضح بنية مجتمع ذكوري لا يقتصر على العراق وحده.
السلطة والاحتفال بوصفهما مشهداً أمنياً
كما هي حال كل دكتاتور، لم يُثنِ الحصار والقصف صدام حسين عن الاحتفال بعيد ميلاده. بل تحوّل هذا اليوم إلى حدث وطني وشعبي. وبينما تتردّد خطابات تمجيد “القائد الذي قال لا لأمريكا”، نشاهد مدرّساً يؤدي دور المخبر، ورجل الأمن الذي يهدّد تلاميذه بالسحل في حال التقصير، ويرتدي بزّته العسكرية في يوم الاحتفال.
وشرطة لا يشغلها سوى إتمام المراسم، غير آبهة بضياع طفلة أو بمعاناة امرأة عجوز. زينة وألوان زاهية وصور للقائد في كل مكان، تقابلها صور باهتة لدماء وأشلاء ضحايا القصف، تمرّ سريعاً كأنها تفصيل هامشي. مجتمع أنهكه الفقر فلجأ إلى الرشوة، لكنّ ذلك لم يلغِ نخوة الناس ورغبة بعضهم في المساعدة.

كيكة الرئيس
اللغة البصرية وأداء الممثلين
حصد فيلم “كيكة الرئيس” عدة جوائز، من بينها الكاميرا الذهبية لأفضل عمل أول، وجائزة الجمهور في “أسبوع المخرجين” ضمن مهرجان كان السينمائي، كما دخل القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار 2026.
نجح حسن هادي في تقديم صورة بصرية لافتة من حيث الزوايا واللقطات، غير أن هذا الإبداع البصري قابله في بعض المشاهد إهمال نسبي لأداء بعض الممثلين. ويُذكر أن المخرج اختار ممثلين غير معروفين، وهو خيار نال استحسان النقاد.
الفيلم سيكون في دور السينما الألمانية
بناءً على تحديثات عام 2026، إليكم تفاصيل ومواعيد العرض المرتقبة لفيلم “كعكة الرئيس” في ألمانيا. ينطلق الفيلم رسمياً في دور السينما الألمانية يوم الخميس 5 فبراير 2026. و تتولى شركة التوزيع الألمانية (مستقلة) نشر الفيلم في المدن الكبرى (برلين، هامبورغ، ميونخ، كولونيا). كسينما Delphi Filmpalast و Kino International في برلين، Abaton و Zeise Kinos في هامبورغ. وسينماTheatiner Filmtheater في ميونخ.

