عامٌ كاملٌ من الانتظار بلا إقامة، ومتاهة طويلة من البيروقراطية المُعقدة… هكذا يمكن لملف إداري واحد أن يجمّد حياة كاملة لطبيبة سورية في ألمانيا. بهذه الجملة يمكن اختصار الصدمة الأولى التي واجهتها رهف، الطبيبة السورية الشابة، في بلد يُفترض أنه يبحث عن الكفاءات الطبية ويعاني نقصاً حاداً في الأطباء. رهف (27 عاماً)، وجدت نفسها عالقة في متاهة البيروقراطية الألمانية، رغم نجاحها في امتحان اللغة الطبية وحصولها على عقد عمل مستوفٍ للشروط، لتبدأ قصتها مع ألمانيا من بوابة الانتظار لا من بوابة المشفى.
لماذا ألمانيا؟
تنحدر رهف بلقيس من مدينة طرطوس في سوريا. درست الطب البشري في جامعة حماة، حيث أنهت دراستها الجامعية وعملت بعد التخرج لمدة ثمانية أشهر في قسم الداخلية العامة في مشفى طرطوس الوطني. خلال سنوات الدراسة الجامعية، كان حلم التخصص الطبي خارج سوريا حاضراً بقوة. لم يكن الدافع مهنياً فقط، بل تداخلت فيه أسباب متعددة، أبرزها تدني الرواتب خلال فترة الاختصاص الطبي في سوريا، إلى جانب أسباب شخصية تتعلق بالرغبة في العيش في أوروبا، ضمن بيئة تقوم على الحريات وتعدد الثقافات. تضيف رهف أن الحصول على فيزا الأطباء لم يكن صعباً مقارنة بدول أخرى. كما كان اهتمامها موجّهاً بشكل خاص نحو البحث العلمي، كون ألمانيا من الدول الرائدة أوروبياً في تمويل الأبحاث الطبية وتوفير بنية تحتية متقدمة في هذا المجال.
واقع مختلف عن التوقعات
في السنوات الأخيرة، برزت ألمانيا كإحدى أهم الوجهات للأطباء، ولا سيما السوريين، الذين يشكّلون اليوم أكبر مجموعة من الأطباء الأجانب العاملين فيها، أكثر من ستة آلاف طبيب، في مؤشر واضح على حجم حضورهم في القطاع الصحي الألماني. غير أن هذه الصورة، التي تبدو واعدة من الخارج، لا تنعكس دائماً كما هي على أرض الواقع. فرهف، التي لا تزال في مرحلة التعديل ولم تبدأ عملها الرسمي بعد، خاضت تدريباً عملياً في أحد المشافي مكّنها من معاينة آلية العمل عن قرب.
هناك، اصطدمت بواقع مخيب للآمال بحسب وصفها. كانت التوقعات مرتفعة، لكن الواقع لم يكن مطابقاً لها. آلية عمل الأطباء في ألمانيا مختلفة عن سوريا، إذ يستهلك التوثيق والمكالمات معظم وقت الأطباء على حساب التواصل مع المرضى، إلى جانب تحميلهم مهام إضافية، مثل سحب الدم وتركيب القثاطر، في حين يعمل طاقم التمريض غالباً فوق طاقته ويتحمل مسؤوليات كبيرة، ما يؤدي أحياناً إلى توتر في العلاقة بين الطرفين.
هل تسعى ألمانيا لجذب الكفاءات فعلاً؟
رغم أن ألمانيا تصف نفسها بأنها تسعى لجذب الكفاءات الدولية لسد النقص في القطاع الصحي، إلا أن هذا الدعم لا ينعكس دائماً على أرض الواقع. خلال بحثها عن عمل، واجهت رهف متطلبات عالية جداً، مثل اشتراط مستوى لغة C2 مع خبرة طويلة، دون منح فرص كافية للأطباء الشباب المنفتحين على التعلم والاندماج، رغم الحاجة الواضحة إليهم، خاصة في المناطق الريفية.
اللغة والاعتراف بالمؤهلات
لا تنكر رهف صعوبة اللغة الألمانية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه حبها لتعلّم اللغات. تقول إنها استمتعت بتعلم الألمانية، ووجدتها لغة غنية وجميلة. إلا أن التحدي الأكبر كان ولا يزال في مسار الاعتراف بالمؤهلات العلمية، الذي تصفه بالمرهق والطويل، وأحياناً غير المنصف. وعن الاعتراف بالمؤهلات قالت رهف:
“الطبيب القادم من سوريا مطالب بإجراء امتحانين للحصول على إذن لمزاولة المهنة: امتحان اللغة الطبية، وامتحان التعديل الطبي. ورغم وجود بدائل لامتحان اللغة الطبية، مثل «Famed»، إلا أنه غير معترف به في جميع الولايات، ما يسلّط الضوء على إحدى المشكلات الجوهرية في النظام الألماني، وهي التفاوت الكبير بين الولايات من حيث الامتحانات، وصعوبتها، ومدة الانتظار، وحتى آلية التقييم.
إلى جانب ذلك، تبقى مسألة الاعتراف بسنوات الاختصاص التي أُنجزت في سوريا من أكثر النقاط إحباطاً للأطباء، رغم النقص الواضح في الكوادر الطبية في ألمانيا، حيث يشكّل الأطباء الأجانب عموماً نحو 14٪ من مجموع الأطباء العاملين في البلاد”.
حتى الآن بلا إقامة!
تصف رهف تجربتها مع مكتب الهجرة بالسلبية إلى حدّ كبير. فقد اضطرت إلى تغيير الولاية بالكامل بسبب انتظار دام سنة دون الحصول على موعد للإقامة، رغم نجاحها في امتحان اللغة الطبية وحصولها على عقد عمل مستوفٍ لجميع الشروط. قالت:
“حتى الآن، ما زلت أنتظر الإقامة، الأمر الذي انعكس سلباً على حياتي المهنية والشخصية. البيروقراطية القاتلة وبطء المواعيد من أكثر الجوانب السلبية”.
كما حصلت على وعد عمل في ولاية أخرى غير الولاية التي أجرت فيها الامتحان، ما يستوجب نقل الملف، وهي خطوة قد تتطلب، وفق تجارب الأصدقاء، انتظاراً قد يصل إلى سنتين، وهو ما تصفه بغير المنطقي في بلد يعلن حاجته الماسّة للأطباء.
رغم الصعوبات… عدم الاستسلام والصبر مفتاحا النجاح
على المستوى الاجتماعي، كانت تجربة رهف مع امتحان اللغة الطبية إيجابية ومنصفة. كما تصف الأجواء العامة بالجيدة، مؤكدة أن الشعب الألماني ودود ويحترم ثقافات الآخرين. ولم تتعرض، بحسب قولها، لمواقف عنصرية تُذكر، وهو عامل أساسي للاستقرار النفسي والمهني.
تلخّص رهف تجربتها بالقول إنها جاءت إلى ألمانيا وحدها، وبدأت تدريباً في مشفى بعد شهر واحد فقط، وحصلت على عمل بعد ثلاثة أشهر، ونجحت في امتحان اللغة الطبية خلال الأشهر السبعة الأولى. وهي اليوم تستعد لامتحان التعديل الطبي لاستكمال مشوارها وتحقيق أهدافها. تؤمن بأن ألمانيا بلد جيد للاستقرار، لكنه يتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمرونة وعدم الاستسلام، خصوصاً في مواجهة التحديات اليومية التي يمر بها أي مغترب. وتضيف رهف:
“إن إتقان اللغة أمر أساسي، وأن رحلة التعديل للأطباء طويلة وشاقة، وقد تمتد وسطياً إلى سنتين ونصف، يمر الإنسان خلالها بلحظات إحباط وتساؤل: لماذا أنا هنا؟ ولماذا بدأت من جديد؟ وفي تلك اللحظات تحديداً، فإن القوة الداخلية وعدم الاستسلام هما الفارق الحقيقي بين من يواصل الطريق ومن يتوقف في منتصفه”.
