في حديث هادئ وصريح، تروي جوسي، الشابة الألمانية ذات الأصول الألمانية–النيجيرية، تجربتها مع صيام رمضان. جوسي، التي نشأت في عائلة مسيحية، تقول عن نفسها: “تربيت على المسيحية، لكن إيماني اليوم يقوم على الروحانية”. لم يكن قرارها بالصيام خطوة دينية بقدر ما كان تجربة إنسانية عميقة.
تقول جوسي إن الذي دفعها للصوم هو أن لديها الكثير من الأصدقاء المسلمين: “أجد من المدهش قدرتهم على الامتناع عن الطعام والشراب طوال اليوم بدافع إيمانهم. وهذا بالضبط ما كان يلفت انتباهي جداً، وكنت أتساءل: من أين يأتون بكل هذه القوة؟ وما الذي يكمن خلف صيامهم؟ صيامهم لم يكن أمراً عادياً بالنسبة لي، بل أمراً يبعث على الإعجاب. لذلك أردت أن أختبر نفسي وأجرب الصيام العام الماضي، وها أنا أصوم هذا العام أيضاً”.
رأت جوسي في الصيام أيضاً جانباً صحياً. ولكن لم يكن الدافع صحياً فحسب، بل كان هناك سبب أعمق أثّر فيها بشدة؛ السبب الحقيقي كان غزة، ومشاهدتها للناس هناك وهم يصومون رمضان رغم ما يعيشونه من معاناة.
تقول: “أدهشني تمسكهم بإيمانهم وسط أوجاعهم وخوفهم وفقدانهم لعائلاتهم. شعرت أن صمودهم الروحي يحمل رسالة قوية، وأن وراء هذا الصمود يتجلى الإسلام. فأردت أن أكون جزءاً من هذه التجربة”.
كيف كان اليوم الأول بالنسبة لك؟
تضحك جوسي قبل أن تجيب: “كان اليوم الأول مثيراً جداً، لكنني للأسف نمت عن السحور!”. وتضيف: “رغم ذلك كنت متحمسة جداً لإكمال اليوم. الامتناع عن الشرب لم يكن صعباً للغاية، لكن بعد ثماني ساعات من العمل يبدأ شعورك بالجوع. لحسن الحظ كنت على تواصل دائم مع أصدقائي المسلمين الصائمين، وكانوا يشجعونني على الاستمرار، وهذا ما منحني قوة إضافية لإكمال اليوم الأول من رمضان”.
وعن روتينها اليومي في رمضان، تقول جوسي: “كان الأمر صعباً، خاصة أنني لا أحب الاستيقاظ مبكراً. وبصراحة، نمت عن السحور مرات عديدة، لذلك كنت أتناول الطعام غالباً قبل النوم”.
ماذا تعلمتِ عن نفسك من خلال هذه التجربة؟
بعد انتهاء رمضان، خرجت جوسي بإحساس مختلف تجاه نفسها. تقول: “أدركت أنني أستطيع تحقيق أي شيء إذا أردته حقاً، وإن بدا صعباً. لم أحتج في حياتي إلى هذا القدر من الصبر والتحمل كما احتجت في رمضان. كنت فخورة بنفسي”. وتضيف بثقة إن تجربتها اليوم أسهل، خاصة أن الصيام هذا العام جاء في الشتاء حيث النهار أقصر. “أنا متحمسة جداً للصوم هذا العام”.
كيف كانت ردود الفعل من حولك؟
أصدقاؤها المسلمون استقبلوا خطوتها بحماس كبير. تقول جوسي: “رغم أنني لم أفعل سوى ما يفعلونه هم كل عام، كان جميلاً أن أشعر بدعمهم لي”. أما أصدقاؤها الآخرون، فتباينت ردود فعلهم، بين من سألها عمّا إذا كانت تنوي اعتناق الإسلام، وآخرون أبدوا رغبة في خوض التجربة بأنفسهم.
هل قرّبتك التجربة من الإسلام؟
تجيب جوسي: “لا أستطيع القول إن تجربة الصوم غيرت موقفي الديني، فأنا أرى نفسي مطلعة جيداً على الإسلام. لكن ما أدهشني حقاً هو مدى إخلاص المسلمين لله. هذه العلاقة العميقة مع الله جميلة فعلاً”.
كيف ترين أثر الصيام على العلاقة بين المسلمين والمسيحيين؟
تقول جوسي إن بعض أفراد عائلتها الألمانية يتحفظون في نظرتهم إلى الإسلام، لذلك ترى في تجربتها رسالة أوسع من مجرد قصة شخصية. “الصيام المشترك يمكن أن يكون جسراً بين المسلمين والمسيحيين. الديانتان متشابهتان أكثر مما يعتقد كثير من الناس”.
وتحرص في محيطها على نشر الوعي حول الثقافة والدين، معتبرة أن الأمور المشتركة في كلا الديانتين، مثل الصيام، قادرة على كسر الصور النمطية وبناء مساحات للحوار.
بالنسبة لجوسي، لم يكن رمضان مجرد تجربة عابرة، بل كان اختباراً للإرادة، وتعبيراً عن تضامن إنساني، وخطوة جديدة في رحلتها الروحانية الخاصة.
كيف ترين الفرق بين الصيام المسيحي والصيام الإسلامي؟
تتحدث جوسي بهدوء العارف، فتوضح أن الصيام في التقليد المسيحي يختلف في طبيعته عن نظيره في الإسلام. فالصوم في بيئتها الدينية لا يقوم بالضرورة على الامتناع الكامل عن الطعام والشراب، بل يتركز غالباً على التخفف من مظاهر “الترف” اليومي، وعلى كبح ما يعتبره الإنسان متعة اعتيادية.
وتشرح قائلة: “في الصوم المسيحي، قد يختار البعض الابتعاد عن الحلويات، أو التبغ، أو الكافيين، أو أي عادة يشعر أنها نوع من الرفاهية اليومية. الفكرة هي أن نتخلى عن شيء نحبه، لا أن نجوع فقط”.
ومع ذلك، لا ترى جوسي في هذا الاختلاف سوى تنوع في الشكل، لا في الجوهر. فبرأيها، يبقى المعنى العميق واحداً في الديانتين. “ما يجمعنا هو الامتناع لأجل الله. في النهاية، الصيام محاولة صادقة للتقرب روحياً من الخالق”.
لو طُلب منك وصف تجربتك بكلمة واحدة، ماذا تختارين؟
تصف جوسي تجربتها بكلمة واحدة وتقول: “الجماعة”. وتوضح أن الصيام منحها شعوراً عميقاً بالانتماء، فمشاركة لحظات رمضان كانتظار الإفطار مثلاً تصنع رابطاً خاصاً بين الناس، وتقربهم في الوقت ذاته من خالقهم. بالنسبة لها، لم يجمعها الصيام بالآخرين فحسب، بل قرّبها من الله بطريقتها الخاصة.
هل تنصحين الآخرين بخوض التجربة؟
لا تتردد جوسي في الإجابة، ويبدو في نبرتها قدر من القناعة الشخصية التي خرجت بها من تجربتها. تقول بثقة: “أنصح الجميع بأن يجربوا الصيام، حتى لو لم يكن الدافع دينياً. يمكن أن يكون مفيداً للصحة”.
لكنها سرعان ما تنتقل من الجانب الصحي إلى ما هو أعمق. فبرأيها، لا يقتصر أثر الصيام على تغيير عادات الطعام، بل يمتد إلى الداخل، إلى المساحة التي يصعب قياسها. “هو يُغذي الروح، يمنح الإنسان شعوراً بالسيطرة على ذاته، ونوعاً من الصفاء الداخلي الذي لا نشعر به كثيراً في زحمة الحياة اليومية”. بالنسبة لجوسي، الصيام لم يكن مجرد تجربة عابرة، بل تمريناً على الوعي وهدنة قصيرة مع ضجيج العالم.
