Photo: AI
يونيو 22, 2024

حين أكل الحمار الدستور!

يبدو العالم الكبير الآن جزءاً من مسرحية “غربة” للكاتب السوري محمد الماغوط. فـ “غربة” هي تلك القرية التي يعيش أهلها في ظلّ مختار مستبدّ يتحكّم بمصيرهم. وليس هناك ما يضفي شرعيةً له أكثر من الدستور، خاصة ًحين يقف أحدهم في وجهه ويسائله عن الجهة التي منحته السلطة. لكن، أين الدستور؟! يأتي الجواب في المسرحية صارخاً بواقعيته وبالسخرية المبثوثة فيه. فالدستور في سرج الحمار، والسرج مع الحمار في السجن. لماذا؟ بتهمة أكل الدستور.

ربما لهذه الحكاية صلة بما يحدث الآن في هذا العالم الذي يعجّ بتناقضاته، والذي تسوده لغة التعميم والإقصاء. فجريمة فردية تضعنا كلّنا في سلّة واحدة مع المجرم، في حين يقتل الآلاف ويشرّدون باسم الدستور وتشريعاته.

الدستور وتفسيراته

قد تبدو القصة للوهلة الأولى مغرقة في الكوميديا، لكّنها أقرب إلى كوميديا سوداء. فالدستور المؤسس لأي دولة وأساسها المتين يخضع للتأويل. وهو أمر لا بدّ منه من حيث المنطق. لأن الدستور يتضمّن بعض الحالات المجرّدة التي تحتاج إلى تفسير. ومع وجود تعارض واضح بين النظريتين الذاتية والموضوعية من حيث رؤيتهما للدستور الألماني مثلاً. كان لابد ّ من وجود تفسيرات له، وبالنسبة لألمانيا اعتمد المؤسسون على أربعة تفاسير منعاً من الانزلاق نحو التفسيرات الذاتية “النحوي، المنهجي، الغائي، التاريخي”. ومن أجل الحصول على الإرادة الموضوعية للسلطة التشريعية فإن جميع طرق التفسير تلك مسموح بها.

عناوين فضفاضة

ورغم أنواع التفسير السابقة وما يتعلّق بها من الأساليب التي تعتمد على مبدأ الوحدة الدستورية أو التوافق العملي أو مبدأ الصحة الوظيفية وغيرها من المبادئ. نجد أن التفسير غالباً ما يحمل عناوين فضفاضة تترك المجال للعب على الكلمات قبل اللعب على التفسيرات نفسها.

وكما خضعت المجتمعات لحكم تأويلات منقوصة للكتب السماوية، نخضع الآن لتلك التأويلات الخارجة من بين سطور الدساتير، وتوجّه إلينا أصابع الاتّهام. وسواء كانت تلك الأصابع الموجّهة باسم القانون أو الإعلام فإنها قد أتت أُكُلها. وها نحن نجد أنفسنا مرّة أخرى في موضع المتّهم الذي يحاول ردّ التهمة عنه. ويعمل أغلبنا جاهدين لتبرير موقفنا. أما التهمة فجاهزة دائماً وهي مخالفة الدستور. فمن نحن؟ وكيف خالفنا الدستور مرّة أخرى؟!

بين تهمتين

في كل مرّة نظنّ أننا نجونا، نجد أنفسنا أمام امتحان جديد. فحين خرجنا من قبل في بلادنا ضدّ أنظمة فاسدة، اتّهمنا بخيانة القضية والتواطؤ مع العدو. وكانت لنا تشريعات الدستور بالمرصاد. وبالقوانين التي تستمدّ شرعيتها منه حكم على الكثير بتهمة وهن نفسية الأمة وزعزعة أمن البلاد.

أمّا الحديث عن تهمة الإسلام المتطرّف القادم من الشرق، فهو شأن آخر. وهو الدريئة التي اخترعها أولو الأمر في العالم المتحضّر. وهذا لا يعني أبداً أن هؤلاء على صواب، بل هم الأداة الطيّعة في أيدي الطغمة الحاكمة. وكان لتحرّكهم في سوريا أو العراق أو أفغانستان دور كبير في حرف مسار أي ثورة أو حراك ضدّ الاستبداد.

وعلى الضفة الأخرى هنا نواجه اتهامات تتشابه في مضمونها. ويبدو أن كلّ بلدان العالم تمتلك سقفاً للحرية فيها. على اختلاف ارتفاع تلك السقوف ونوع المحظورات فيها. ورغم أن كلّ دساتير الأرض تنصّ على حرية التعبير، إلا أن هناك تفنيداً في متناول اليد دائماً وأبداً. ويختلف بحسب السقف، ونحن الآن أعداء السلام ومناصرون للأعمال الإجرامية وإثارة الاضطرابات. فقط لأننا ضد قتل الأبرياء صغاراً وكباراً.

أين دستور الإنسانية؟

لطالما أيقنت أن لعبة السياسة قذرة دائماً، وهي بالنسبة لي ولغيري متاهة نضيع في تلافيفها. وإن كان هناك من سبيل للنجاة فستكون “الإنسانية” مرساة العالم. تلك البوصلة التي لا تخطئ. رغم أن أصحاب السيادة والقرار يغضّون أبصارهم عنها ويرفضون الامتثال لدقّتها. ويصرّون على وضع الدستور في السرج ليكون في متناول الحمار الذي يأكله حين يجوع. وحينها ستبقى الشعوب المقهورة لتموت تحت القصف، غرقاً في البحر أو جوعاً في مخيمات اللجوء.